أحمد بن محمود السيواسي
258
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 5 ] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) ( وَإِنْ تَعْجَبْ ) يا محمد من إنكارهم البعث ( فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ) أي فقولهم حقيق بأن يتعجب منه مع إقرارهم بابتداء الخلق من اللّه عز وجل ، وقد تقرر في الأذهان أن الإعادة أهون من الابتداء ، وهو ( أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي إذا صرنا ترابا بعد الموت أنعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت ، وقيل : معناه وإن تعجب من تكذيب المشركين القرآن ومن عبادتهم الأصنام الجامدة فاعجب من قولهم هذا أيضا « 1 » ، فقوله « إِذا » ظرف عامله محذوف وهو أنبعث ، يدل عليه « أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » ، ومحل الجملة الاستفهامية نصب مفعول « قَوْلُهُمْ » أو رفع بدل منه ، قرئ بهمزة واحدة مع المد للاستفهام في « أَ إِذا » و « أَ إِنَّا » وبهمزتين محققتين في « أَ إِذا » وهمزة واحدة في « إِنَّا » ، وبهمزتين محققتين فيهما وبتسهيل الهمزة الثانية فيهما وبهمزة واحدة في « إِذا » والهمز والمد في « أَ إِنَّا » « 2 » ، لأن الشك في الثاني دون الأول ( أُولئِكَ ) أي منكرو البعث ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي هم الكاملون في كفرهم ( بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) أي يغل أيديهم على رقابهم يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم وحين دخلوا في النار أو هم الذين منعوا عن الرشد بالأغلال في قلوبهم فلذلك أصروا في الكفر ( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ) أي ملازمون بها ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) [ 5 ] أي لا ينفكون عنها ولا يموتون . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 6 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) قوله ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) نزل حين سألوا رسول اللّه أن يأتيهم العذاب استهزاء منهم بذلك « 3 » ، والاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته ، والسيئة هنا العقوبة ، والحسنة العافية ، أي يطلب كفار مكة العقوبة قبل وقتها بدل العافية ، وهو قولهم « إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ » « 4 » الآية ( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ ) أي والحال أنه قد مضت قبل قريش ( الْمَثُلاتُ ) أي عقوبات أمثالهم من الأمم التي عصت ربها « 5 » وكذبت رسلها ، فما لهم لا يعتبرون بهم ، وهي جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء مثل صدقة وصدقات ، وهي العقوبة المماثلة لجناية المعاقب عليه ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ) أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب إن تابوا أو بتأخير العذاب عنهم ، فالمراد من ال « مَغْفِرَةٍ » الإمهال والستر ، ومحله نصب على الحال بمعنى ظالمين أنفسهم بالشرك والمعاصي ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ) [ 6 ] لمن مات منهم على ظلمة ولم يتب قبل موته . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 7 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) ثم قال تعالى ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا ) أي هلا ( أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) أي حجة واضحة تدل على نبوته فلم يعتدوا بالآيات المنزلة على النبي عليه السّلام عنادا ، فطلبوا مثل آيات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى ليؤمنوا به ، فقال تعالى لنبيه ( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) أي مخوف لهذه الأمة بتبليغ الرسالة ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ
--> ( 1 ) اختصره المؤلف من البغوي ، 3 / 338 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 184 . ( 2 ) « أئذا كنا ترابا أئنا » : قرأ نافع والكسائي ويعقوب « أئذا » بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة علي الاستفهام ، وقرؤا « أئنا » بهمزة واحدة مكسورة علي الخبر ، وكل على أصله ، فقالون يسهل الثانية في « أئذا » ويدخل ألفا بينها وبين الأولى وورش ورويس يسهلانها من غير إدخال والكسائي وروح يحققانها من غير إدخال ، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر بالإخبار في الأول والاستفهام في الثاني ، وكل علي أصله كذلك ، فأبو جعفر يسهل الثانية في « أئنا » مع الإدخال وهشام يحققها مع الإدخال أيضا قولا واحدا ، وابن ذكوان يحققها بلا إدخال ، وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما ، وكل على قاعدته فابن كثير بالتسهيل بلا إدخال وأبو عمرو بالتسهيل مع الإدخال وعاصم وحمزة وخلف بالتحقيق من غير إدخال . البدور الزاهرة ، 169 . ( 3 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 184 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 339 . ( 4 ) الأنفال ( 8 ) ، 32 . ( 5 ) وكذبت ربها ، + س .